منظمة العفو الدولية - الحب في زمن الأبارتهايد

مي ابو مغلي

منذ عقود والإنسانية تشهد أشكال مقاومه متعددة ومبدعه أدت و تؤدي إلى إنهاء القمع والاحتلال والسيطرة من قبل الأنظمة الاستعمارية والعنصرية. لقد نجحت حركات المقاومة الشعبية في جنوب أفريقيا على سبيل المثال في إنهاء النظام العنصري في تسعينيات القرن الماضي ونجح قبلها الأمريكيون من أصول أفريقية بإنهاء نظام الفصل والحصول على حقوقهم المدنية والسياسة في ستينيات القرن الماضي.

في فلسطين، ومنذ بداية القرن العشرين وجد الفلسطينيون أنفسهم أمام موجات احتلال واضطهاد متتالية بلغت ذروتها عام 1948 مع إعلان قيام دوله إسرائيل على الأراضي الفلسطينية و طرد السكان الأصليين وذلك ما يعرف بالنكبة. ومنذ بدء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية في عام 1948 وما تلاه من احتلال ما تبقى من الأراضي الفلسطينية عام 1967 مارس الفلسطينيون أشكالا متعددة من المقاومة الشعبية منها المسلح ومنها السلمي.

إن الاحتلال الإسرائيلي هو ليس فقط احتلال للجغرافيا والمكان وإنما هو احتلال ذا طابع استعماري يفرض نظاما عنصريا على الأرض والسكان ويتجلى ذلك من خلال السياسات والقوانين التي يفرضها الاحتلال الإسرائيلي على الفلسطينيين سواء كانوا حاملين للجنسية الإسرائيلية ويعيشون داخل الخط الأخضر أو الفلسطينيين ممن يعيشون في الأراضي المحتلة عام 1967 وما يعرف الآن بالضفة الغربية بما فيها القدس وقطاع غزه وفلسطينيو الشتات واللاجئين.

يوجد أكثر من 55 قانون في إسرائيل يميز ضد العرب الفلسطينيين المواطنين في إسرائيل والأراضي المحتلة عام 1967 (الضفة الغربية وقطاع غزه) تقيد حريتهم بالتعبير السياسي وبالمشاركة السياسية. تميز هذه القوانين بحقهم من خلال توزيع الموارد وتوزيع الأراضي، وجوانب أخرى هامة جدًا تتعلق بالحياة الديمقراطية والمساواة في الحقوق. وعلى سبيل المثال، أهم قانونين في مجال الهجرة، قانون العودة (1950) وقانون المواطنة (1952) يسمحان لليهود بالهجرة بشكل حر والحصول على جنسية إسرائيلية بشكل تلقائي، بينما يستثنيان اللاجئين الفلسطينيين الذين اضطروا إلى الخروج من بيوتهم في 1948 و1967.

خلال أعوام الانتفاضة الأولى 1986-1993 قام الفلسطينيون باستخدام طرقا متعددة للمقاومة مثل المقاطعة الكاملة للمنتجات الإسرائيلية، التي أغرقت الأسواق الفلسطينية في الضفة والقطاع، أو العصيان المدني.

ومع بدء الانتفاضة الثانية في خريف عام 2000 اشتدت وطآه العنف في الأراضي الفلسطينية وعمد الاحتلال الإسرائيلي لتثبيت النظام العنصري الذي يمارسه على الفلسطينيين من خلال المنع الكامل للتواصل بين الفلسطينيين في الضفة وغزه و داخل الخط الأخضر، فنشر مئات الحواجز العسكرية التي حدت بشكل كبير من حركه الفلسطينيين مما أثر سلبا على الوضع الاقتصادي للفلسطينيين وعلى قدرتهم للوصول للخدمات الأساسية مثل الصحة والتعليم. وقام الاحتلال الإسرائيلي في يونيو/حزيران 2002 بالبدء ببناء جدار الفصل في الضفة الغربية بما فيها القدس والذي عزز بدوره الفصل بين المجتمعات الفلسطينية، فسلب الفلسطينيين أراضيهم الزراعية ومصادر المياه. في  عام 2004 اتخذت محكمة العدل الدولية، الذراع القضائي الأساسي لمنظمة الأمم المتحدة  في لاهاي  قرارا استشاريا، يقضي بإدانة وتجريم الجدار. بالإضافة إلى هذه الممارسات،  يستمر الاحتلال الإسرائيلي ببناء المستوطنات على الأراضي المحتلة في الضفة الغربية بما يتنافى مع أحكام القانون الدولي. وكما أن الاحتلال الإسرائيلي لا يتوانى عن سياسات هدم المنشآت الفلسطينية من بيوت و محال و تعزيز سياسات مصادرة الأراضي.

من الممكن توقع أو تخيل بشاعة الاحتلال بكل ما يمثله من عنف وظلم وانتهاكات خاصة إذا ما استمر- لغاية يومنا هذا- لأكثر من ستة عقود. ولكن من الصعب علينا أن نتخيل كيف أن سياسات  وقوانين الاحتلال الإسرائيلي العنصرية والتمييزية يمكن أن تطال العلاقات الفلسطينية الأسرية الأكثر حميميه!

 

قانون الجنسية* والدخول إلى إسرائيل (أمر مؤقت)

لقد تم سن هذا القانون عام 2003 كقانون مؤقت لعام واحد. وهو يمنع لم شمل العائلات الفلسطينية التي فيها زوج أو زوجة من حاملي الجنسية الإسرائيلية، أو حاملي الهوية الإسرائيلية من سكان القدس فيما الآخر من سكّان الضفة الغربية أو قطاع غزّة (وليس يهوديًا من سكان المستوطنات). ويتم إعادة التجديد دوريا لهذا القانون الذي يبقى ساري المفعول حتى يومنا هذا.

في عام 2005، أضيف إلى المنع بعض الاستثناءات الهامشيّة التي لم تمس جوهر القانون التمييزي. كان هناك تعديل آخر عام 2007 قضى بتوسيع المنع ليشمل أيضًا منع توحيد العائلات حيث يكون أحد الأزواج من مواطني أو سكان إيران، لبنان، سوريا أو العراق. وفي عام 2008، أضيف قرار المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغّر بفرض تقييد جديد يتعلق بسكّان قطاع غزّة.  وفي يناير/كانون الثاني 2013 تم إقرار تمديد فاعليه هذا القانون (المؤقت) لعام آخر، مع العلم أنه في عام ،2006 قام خمسه قضاه من ما يسمى بمحكمة العدل العليا الإسرائيلية بالاعتراف بعدم دستوريه هذا القانون وبأنه يتعارض مع حرية وكرامه الإنسان.

 

إنعكاسات القانون

يحرم هذا القانون الفلسطينيون و الفلسطينيات من حرية اختيار الشريكة أو الشريك. و بموجب هذا القانون يتم إجبار آلاف العائلات الفلسطينية على العيش منفصلة أو الانتقال إلى خارج البلاد أو العيش في إسرائيل تحت تهديد التهجير الدائم. و تزداد تأثيرات  القانون عمقا لدى  المقدسيين، حيث يحمل  المقدسي/ية ما يعرف بالهوية  المقدسية  وهي تعني  إقامة دائمة  بإسرائيل  يتم سحبها  من حاملها  تحت ذرائع مختلفة. ويجبر هذا القانون العنصري  الأزواج أو الزوجات من المقدسيين  على الانتقال والعيش في الضفة الغربية  أو في الخارج مع عائلاتهم التي لا تستطيع بموجب القانون العيش داخل القدس. وهكنا يصبح الزوج المقدسي أو الزوجة المقدسية عرضة لفقدان مكانتهم  القانونية من الإقامة الدائمة في القدس.  وفقدان الإقامة للزوج أو الزوجة  يعني  فقدانهم  لحقوقهم  المدنية  في إسرائيل وتعرضهم إلى كثير  من المشاكل  والعراقيل في حياتهم اليومية مثل حريتهم بالتنقل والعبور من منطقة لأخرى أو قدرتهم على الوصول لأماكن عيشهم وعملهم فضلا عن فقدانهم لممتلكاتهم في القدس.

ومن الجدير بالذكر أن الفلسطينيات و الفلسطينيين سواء كانوا من سكان الضفة أو القطاع أو حاملين للجنسية الإسرائيلية فانه يتعذر عليهم العيش مع شركائهم في الأراضي الفلسطينية أو إسرائيل إذا ما كانوا من الأزواج أو الزوجات من حملة جنسيات أخرى حتى لو لم يكونوا من أصول فلسطينيه أو عربيه. 

إن هذا القانون يتنافى مع عدد كبير من قيم و مبادئ و مواثيق حقوق الإنسان منها: المواد (٢) و(٧) و(١٢) و(١٣) و(١٦) ‘للإعلان العالمي لحقوق الإنسان’،  والمادة (١٠) من ‘العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية و الاجتماعية والثقافية’ والذي صادقت عليه إسرائيل في العام 1991، وعدد من مواد ‘اتفاقية حقوق الطفل’ وخاصة المادتين (٩) و(١٠) وقد صادقت إسرائيل على هذه الاتفاقية في عام 1991. كما ويتعارض مع ‘اتفاقية القضاء على  جميع أشكال التمييز ضد المرأة’ (سيداو) وخاصة المواد (٩) و (١٦) وقد صادقت إسرائيل على هذه الاتفاقية في العام 1991. وقد شجبت العديد من آليات الأمم المتحدة قيام إسرائيل بسن هذا القانون ووصفته بالقانون العنصري. وعلى سبيل المثال، دعت ‘لجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة’ صراحة في الأعوام 2003 و2010 لإلغاء هذا القانون، كما دعت ‘لجنة الأمم المتحدة المعنية بالقضاء على التمييز العنصري’ أيضا عدة مرات لإلغاء هذا القانون العنصري.

إن لهذا القانون انعكاسات على الفلسطينيين تتخطى الانعكاسات الاجتماعية والنفسية بما تحمل من تأثيرات وانعكاسات ثقافية ووطنية بما يعكس بصوره لا لبس فيها الأهداف الاستعمارية والعنصرية للاحتلال الإسرائيلي.

 

التأثيرات الثقافية

لطالما عمل الاحتلال الإسرائيلي على نزع صفه التجانس الثقافي من الفلسطينيين وذلك بهدف إبرازهم على أنهم مجموعات عربيه متفرقة وليسوا شعبا واحدا يشكل مجتمع متجانس ذا عمق ثقافي وتاريخ مشترك. وتجلى ذلك بمنع الفلسطينيين من التواصل عبر إنشاء الحواجز والجدران والمنع من السفر بين الضفة و القطاع والخط الأخضر كما ومنع عوده فلسطينيي الشتات واللاجئين إلى ديارهم حتى ولو كانت لزيارات قصيرة. كما عملت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة على السيطرة على قطاع التعليم في كافة المناطق الفلسطينية لفترة طويلة سعت فيها لطمس الهوية الفلسطينية. هذه الحقيقة لا تزال قائمه في القدس المحتلة وفي المدارس العربية داخل إسرائيل. إن قانون الجنسية والدخول إلى إسرائيل هي وسائل أخرى من وسائل تشتيت المجتمع الفلسطيني و طمس هويته.

 

التأثيرات الوطنية وحق تقرير المصير المشترك

إن عقودا طويلة من الفصل بين الفلسطينيين سواء داخل الأراضي الفلسطينية أو مع فلسطينيي الشتات أدت إلى اختلاف الرؤى الوطنية واتجاه النضال. إن عدم قدره الفلسطينيين على تشكيل عائلات موحده بغض النظر عن الحواجز الجغرافية التي فرضها الاحتلال يجعل من الصعب على الفلسطينيين توحيد الرؤى لمستقبل النضال في سبيل التحرر الوطني والتمتع بكافه الحقوق.

 

حمله ‘الحب في زمن الأبارتهايد’

بعد إقرار تمديد العمل بقانون الجنسية و الدخول إلى إسرائيل في العام 2012 قام عدد من الشابات والشباب الفلسطيني من كافه مناطق فلسطين التاريخية بتكوين نواة من 18 ناشطة وناشط للبدء بحمله مقاومه ورفض لهذا القانون سميت بحمله ‘الحب في زمن الأبارتهايد’ وهي الحملة الفلسطينية لمناهضه سياسات لم الشمل الإسرائيلية العنصرية. وتهدف الحملة إلى فضح وتحدي القوانين والسياسات الإسرائيلية العنصرية بشكل عام والقانون الذي يمنع لم شمل العائلات الفلسطينية بشكل خاص والذي يؤدي إلى حرمان هذه العائلات من حقوقها المدنية والاقتصادية والاجتماعية فضلا عن غيرها من الحقوق.

 انطلقت الحملة في مايو/أيار 2012 على أساس مبدأ رفض ومقاومة الاحتلال الإسرائيلي وانتهاكاته للقانون الدولي، مع التركيز على السياسات العنصرية التي تؤدي إلى تدخل الاحتلال في خيارات الفلسطينيين المتعلقة بشركاء وشريكات وأزواج وزوجات المستقبل على أساس الجنسية وأنواع مستندات الإقامة.

لقد نفذ القائمون والقائمات على الحملة نشاطين ذو طابع نضالي شعبي. كان الأول في مارس/ آذار 2013 حيث قام الشابات والشبان بالتجهيز لعرس رمزي على حاجز إسرائيلي يفصل القدس المحتلة عن الضفة الغربية. كانت العروس من مدينه الناصرة قد لبست ثوبها الأبيض وتزينت للقاء عريسها الذي قدم من مدينه رام الله بالضفة الغربية بصحبه صديقاته وأصدقائه لملاقاة عروس المستقبل على الحان الزفة الفلسطينية. عند الحاجز وعلى مسافة قريبه لاقى جيش الاحتلال الإسرائيلي العرس الفلسطيني بوابل من قنابل الصوت وقنابل الغاز المسيل للدموع والرصاص الحديدي المغلف بالمطاط. حاول العروسين الاقتراب ولكن ذالك كان أشبه بالمستحيل. ولم يتكلل العرس بفرحه اللقاء فالاحتلال أبى إلا أن يحول الفرح إلى ساحة معركة.

أما النشاط الثاني الذي قامت به الحملة، فقد كان عبارة عن وقفه احتجاجيه أمام مقر الحكومة الإسرائيلية والتي يطلق عليها الناشطون/ات إسم حكومة الأبارتهايد أو حكومة نظام الفصل العنصري. كانت العروس وحيدة هذه المرة حيث خلى مقعد العريس الذي لم يسمح له بالوصول للقدس المحتلة.

لقد هدف نشاط الحملة الأول (عرس على الحاجز) إلى توعيه العامة محليا ودوليا بمدى أهميه وإلحاح الموضوع وخطورة هذا القانون. لقد لاقى التحرك اهتماما كبيرا ليس من الإعلام المحلي والعالمي فحسب بل من الفلسطينيين أنفسهم. لقد أدى الحراك إلى زيادة الوعي بحق الفلسطينيين باختيار الشريك/الشريكة بحريه ليس فقط عبر كسر حواجز الاحتلال ولكن أيضا من خلال كسر حواجز الثقافة والمجتمع والتي تعمل بدورها على انتهاك هذا الحق في كثير من الأحيان.

أما النشاط الثاني (شريكي بجواري) فقد هدف إلى تصوير معاناة آلاف من العائلات الفلسطينية التي يفرض على الشريكين فيها العيش بعيدا عن بعضهما البعض. وهدف أيضا إلى إيصال رسالة لصانع القرار الإسرائيلي مفادها أن الحراك الفلسطيني ضد القوانين العنصرية سواء داخل الخط الأخضر أو في الضفة والقطاع قادر على متابعه العمل ورفع مستوى الوعي لدى المجتمع المحلي والدولي وأن هذا النضال موحد. ولم يهدف النشاط الشبابي إلى مخاطبه صانع القرار الإسرائيلي بشكل مباشر، فالناشطات و الناشطين لا يعترفون بحكومة الفصل العنصري على حد تعبيرهم. ولكن خطابهم توجه إلى المجتمع المحلي بهدف زيادة الدعم والضغط، والمجتمع الدولي بهدف إقصاء إسرائيل عن المحافل الدولية ودفعها باتجاه إلغاء قوانينها العنصرية والتقيد بمبادئ حقوق الإنسان التي تضمن حياه حرة وكريمه للجميع بغض النظر عن عرقهم أو لونهم أو دينهم.

 كما يعمل الناشطون/ات على زيادة الوعي والضغط باتجاه منع الحكومة الإسرائيلية من القيام بتعديلات سطحيه على القانون بغية تمريره وتخطي العقبات الدستورية. إن هذا العمل يتطلب جهد كبير من الملاحقة المستمرة والمتابعة والعمل الشعبي والحقوقي والقانوني بالتوازي لضمان الوصول إلى المعلومات الدقيقة في الوقت المناسب وضمان الرد السريع الذي يحدث إلى التغير والصدى الواسع.

بالرغم من الصعوبات التي يواجهها منسقو/ات وناشطو/ات هذه الحملة سواء كان من العنف المفرط المستخدم من قبل الجيش الإسرائيلي أو التعرض للاعتقال والملاحقة فضلا عن الصعوبات اللوجستية التي يفرضها الاحتلال من قبيل صعوبة الوصول لأماكن عقد الاجتماعات والأنشطة، إلا أن الانجازات كبيره والتحدي مستمر.

ملاحظة: في عده مصادر ترد الترجمة لتسميه القانون كالتالي: قانون المواطنة و الدخول إلى إسرائيل. ولكن النشطاء/ات في الحملة آثروا استخدام تعبير قانون الجنسية و الدخول إلى إسرائيل، ولهذا اقتضى التوضيح.

مصادر:

·        لجنة حقوق الإنسان، الملاحظات الختامية للجنة المعنية بحقوق الإنسان (21 أغسطس/آب 2003)، وثيقة رقم  UN Doc CCPR/CO/78/ISR، فقرة 21 و22.

·        اللجنة المعنية بالقضاء على التمييز العنصري، الملاحظات الختامية للجنة المعنية بالقضاء على التمييز العنصري (مارس/آذار 2007)، وثيقة رقم UN Doc CERD/ISR/CO/13، فقرة 20.

·        القانون المؤقت، موقع ‘عدالة’، http://ow.ly/mReX6

* ناشطة حقوقية فلسطينية